صفحة: 128

128 للشعوبِ في جميعِ الأجيالِ، ثمَّ هي مَوْضِعٌ خصبٌ لدراسةٍ أدبيّةٍ مِن ناحيةِ أسلوبِها، وفنِّها، وطابَعِها، وخصائصِها التي تمتازُ بها عن موضوعاتِ الأدبِ الأخر ى . . 9 وصياغة المثَلِ كثيرًا ما تُحَلَّى بِبعضِ أنواعِ المحسِّناتِ، فأحيانًا تكونُ حليتُهُ السجعَ مثلَ : «يستَفُّ التراب، ولا يخضعُ لأحدٍ على باب»، وأحيانًا يتَّخِذُ شكلَ الحوارِ القصيرِ مثلَ : «قيلَ للشحمِ : أينَ تذهبُ؟ قالَ : أقوِّمُ الـمُعوَجَّ»، «قيلَ للشّقِيِّ : هَلُمَّ إلى السعادةِ، قالَ : حسبي ما أنا فيهِ»، وأحيانًا جمالُهُ في فكاهتِهِ مثلَ : «ثقيلٌ واسمُه صخرٌ »، «طُفَيْليٌّ ويجلسُ في الصدرِ» وأحيانًا في وزنِهِ الشعر يِّ مثَلَ : ، «ما الحبُّ إلاّ للحبيبِ الأوّلِ» إلخ … إلخ … وهذا كلُّه يحتاجُ إلى مقالةٍ مستقلّةٍ . 10 وأهميّةُ الأمثالِ تأتي مِن ناحيةِ أنّه لو عرفْتَ أمثالَ كلِّ أمّةٍ في عصرٍ مِنَ العصورِ؛ أمكنَ الاستدلالُ بها على كثيرٍ مِن شؤونِها الاجتماعيّةِ، والدينيّةِ، والاقتصاديّةِ، والسياسيّةِ، والخُلُقيّةِ، فهناكَ أمثالٌ تُمثِّلُ حياةَ الفلاّحينَ، وأمثالٌ تمثِّلُ حياةَ الحضَرِ وهكذا . 11 وقد يكونُ مِمَا يستحقُّ النظرَ، في يومِنا، أنّي ألحظُ قِلّةَ أثرِ الأمثالِ ودورانِها على الألسنةِ، والاستشهادِ بها في السلوكِ عمّا كانَتْ عليه منذُ جيلٍ؛ فقد كنْتُ أسمعُ جدّتي ووالدَتي وأهلَ حارتي يُكثر ونَ مِنَ استعمالِ الأمثالِ والاستشهادِ بها، فقلَّ ذلك في عصرِنا الحاضرِ، وهي على ألسنةِ المثقَّفينَ اليومَ أقلُّ مِنها على ألسنةِ العامّةِ، فهل هذا أثَرٌ مِن طُغيانِ المدنيّةِ الحديثةِ أوِ العوْلمةِ التي لا تقدِّرُ الأمثالَ كثيرًا؛ إذ نَحا أدباءُ العربيّةِ مَنحى أدباءِ الغربِ وتذوَّقوا بأذواقِهِم، فَقَلَّلوا مِثلَهُم اعتمادَأمثالِهِم، أم أنّاعتمادَالأمثالِوكثرةَاقتباسِها أضحى ضربًا مِن ضر وبِالبِدَعِ نستخدِمُها في حالٍ، ونهجرُها في حالٍ، وكلُّ يومٍ هي في شأنٍ؟ ! بتصرُّف عن : أحمد أمين، فيض الخاطر

מטח : המרכז לטכנולוגיה חינוכית


 لمشاهدة موقع كوتار بأفضل صورة وباستمرار