|
صفحة: 127
127 الأمثالُ في الأدبِ العربيِّ 4 والأمثالُ أكثرُ تأثيرًا في الشعبِ مِنَ الحكمةِ؛ لأنّ الأمثالَ نبعَتْ مِنهُ، ووُعِيَتْ في ذاكرتِهِ، واحتضَنَها في قلبِهِ، وكثيرًا ما تصرِفُهُ في سلوكِهِ، سواءٌ في ذلك الخاصّةُ والعامّةُ؛ فكثيرًا ما تسمعُهُم يقولونَ : «في المثَلِ كذا»، أو : «على رأيِ المثَلِ كذا»؛ تبريرًا لسلوكِهِم، أو برهانًا على صحّةِ كلامِهِم، أمّا الحكمةُ - إذا لم تكُن مثَلاً - فأثرُها والاستشهادُ بِها مِن شأنِ الخاصّةِ وحدَهُم . 5 وإذا كانَتِ الأمثالُ نتاجَ الشعبِ كلِّهِ، ومُلكَ يديْهِ جميعِهِ، كانَ مِنَ الطبيعيِّ أن يختلفَ مصدرُها؛ فأحيانًا ينبُعُ المثَلُ مِنَ طبقةِ العامّةِ الشعبيّةِ، وأحيانًا ينبُعُ مِنَ طبقةِ المثقَّفينَ، شأنُها في ذلكَ شأنُ جميعِ أنواعِ الأدبِ الشعبيِّ، كالأزجالِ، والمواويلِ، والأغاني، والقَصصِ الشعبيِّ، ولذلكَ تجدُها أحيانًا مباشرةً في المعنى، بسيطةً في الأسلوبِ؛ مثلَ : «كالكبْشِ يحملُ شفرةً وزنادًا״، وأحيانًا تكون بليغةَ المعنى فصيحةَ الأسلوب مثلَ «نفاقُ المرءِ مِن ذُلِّهِ״ . 6 وانبثاقُ المثَلِ مِنَ الشعبِ أضفى عليهِ حُلّةً جميلةً؛ وهي اختفاءُ القائلِ وظهورُ الـمَقولِ، كأنّهُ الجنديُّ المجهولُ؛ فتراكَ تقولُ : قالَ فلانٌ؛ وتنسِبُ إليهِ شعرًا، وقالَ فلانٌ؛ وتنسبُ إليهِ حكمةً، لكن قلَّ أن تقولَ : قالَ فلان؛ وتنسبَ إليهِ مثَلاً، كأنّ الشعبَ يريدُ أن يحتفظَ في المثَلِ بملكيّتِهِ العامّةِ . 7 وأحيانًا ينبعُ المثَلُ إثْرَ حدَثٍ تاريخيٍّ؛ كأمثالِ العربِ التي قيلَتْ يومَ «داحسٌ والغبراءُ»، وأحيانًا ينبعُ المثَلُ إثرَ تجربةٍ مؤلمةٍ؛ مثلَ قولِهِم : «ارْقُبِ البيتَ مِن راقِبِهِ»، أي احفَظْ بيتَكَ مِن حافِظِهِ، وقيلَ بمناسبةِ أنّ رجلاً تركَ خادمَهُ في بيتِهِ يحرسُهُ، فرجعَ وقد ذهبَ العبدُ بجميعِ أمتعتِهِ، وأحيانًا يكونُ أصلُ المثَلِ لغزًا أو رمزًا لشيءٍ، ثم نُسِيَ الأصلُ وبقَي المثَلُ، أو رمزًا لقصّةٍ، مثلَ ״وافقَ شنٌّ طبقةَ״ . 8 وقد تأثَّرَتِ الأمَمُ تأثرًا كبيرًا بِأمثالِ المصادرِ الدينيّةِ كأمثالِ القرآنِ الكريمِ؛ مثلَ : لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا، وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ، وكُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ، . . . وبالأمثالِ الواردةِ في الحديثِ النبويِّ الشريفِ مثلَ : «اليدُ العليا خيرٌ مِنَ اليدِ السفلى»، و«يدُ اللهِ معَ الجماعةِ» والأمثالِ الواردةِ في العهدِ الجديدِ كمثَلِ الخروفِ الضالِّ، ومثَلِ الدرهمِ المفقودِ، وغيرِها، وكلُّها در وسٌ أخلاقيّةٌ تلقَّنُ وانبثاقُ المثَلِ مِنَ الشعبِ أضفى عليهِ حُلّةً جميلةً؛
|